المحاضرة الرابعة
تكملة - النتائج المترتبة على
التغيرات المناخية في الزمن الرابع
تابعنا في المحاضرة السابقة بعض النتائج المترتبة على التغيرات المناخية في الزمن الرابع، ومن هذه النتائج وجود بقايا غطاءات جليدية على سطح الأرض وخاصة في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية، وعلمنا أن هناك مركزان للجليد. وأن هناك تغيرات بيئية حدثت في مناطق هوامش الجليد، تلك المناطق التي قدرت مساحتها بنحو ربع مساحة سطح الأرض.
كما عرفنا أن الجليد قد خلف ظاهرات جيومورفولوجية عديدة عقب انحساره، وثباته على الوضع الحالي، ومنها التربة الجليدية والحلبات الجليدية Cirques والأودية الجليدية، وغيرها. ونتيجة لتذبذب العلاقة بين اليابس والماء، تكون عددا من الأرصفة الجيومورفولوجية ، والمدرجات النهرية الدالة على حدوث ذلك التذبذب.
وفي هذه المحاضرة سنستكمل النتائج المترتبة على التغيرات المناخية التي حدثت في الزمن الرابع بعصريه البلايستوسين والهولوسين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلبات او الدارات الجليدية Cirques عبارة عن أحواض أصلية تظهر عند رؤوس أعالي الأودية الجليدية، وهي أشكال
ناتجة عن الحت الجليدي
5- التغيرات الهيدرولوجية
أدى تباين كميات الأمطار الساقطة خلال الزمن الرابع وذوبان الجليد، إلى تغيرات واسعة في هيدرولوجية الأنهار، وقد ترتب على ذلك أيضا اختلاف الأنهار في حت مجاريها، ومن ثم تكون المدرجات النهرية.
كما ترتب على ذوبان الجليد في أواخر البليوستوسين وحلول الدفء، زيادة كميات الرواسب التي حملتها المجاري المائية، وتكون ما يعرف باسم المجاري النهرية المضفرة أو المتشعبة الجريان (عندما تكون ضفاف الأنهار مكونة من مواد مفككة كالرمال والغرين، يوسع النهر مجراه ويتشعب ويصبح مضفرا Braided وتتشكل الجزر النهرية)، وعندما تقل كمية الرواسب تتكون المنعطفات المتداخلة.
ومما لاشك فيه انه من الصعب التعرف على تأثير التغيرات المناخية في التصريف النهري أثناء الزمن الرابع، نتيجة لنشاط الإنسان فيما بعد في إزالة الغطاء النباتي وقيام الاقتصاد الزراعي. كما انه لم تقتصر التغيرات المائية في أواخر البليوستوسين وفى الهولوسين على الأودية النهرية، بل أظهرت الدراسات تغير مناسيب ومساحات البحيرات في مناطق العروض المعتدلة في نصف الكرة الشمالي، وخاصة في أوروبا وأمريكا التي كانت مساحة البحيرات العظمى التي كانت تزيد مساحتها آنذاك عن مساحتها الحالية بنحو مئات الكيلومترات المربعة.
6- التغيرات في الغلاف الحيوي
تعد التغيرات التي حدثت في الغلاف الحيوي من أهم النتائج المترتبة على التغيرات المناخية في الزمن الرابع وانعكاساً حقيقياً، وخاصة في البليوستوسين، وتتمثل تغيرات الغلاف الحيوي في التغيرات في توزيع الغطاءات النباتية وأنواع الحيوانات وأنواع وخصائص التربة، وتجدر الإشارة إلى صعوبة التعرف على أنواع الحيوانات، إذ قد تنتقل الحيوانات من مكان لآخر بمجرد أن تشعر بأي تغير مناخي، ومع ذلك تظل الحقيقة قائمة، وهى أن لكل غطاء نباتي حيواناته الخاصة التي تميزه.
وقد أمكن التعرف على التغيرات في الغلاف الحيوي من خلال فترتين كما يلي:
1- تغيرات الغلاف الحيوي في البليوستوسين الأسفل والأوسط
تقلصت مناطق الغابات الصنوبرية والنفضية في أوراسيا وأمريكا الشمالية بشكل واضح ومميز تحت وطأة الجليد خلال أدوار الجليد، وتزحزحت نحو الجنوب لتحل محل الحشائش المعتدلة، وعلى أطراف الغابات الصنوبرية عاشت أنواع من الحيوانات المتحملة للبرد مثل الرنة والدببة القطبية، وفى مناطق الأحراج والمراعي عاشت أنواع عديدة من الحيوانات العاشبة والمفترسة.
وفى المناطق المدارية وشبه المدارية حيث زادت كميات الأمطار في الدور المطير الأول (من بداية جليد جونز حتى أخر دور ريس)، اتسعت نطاقات الأحراج والمراعي، وأصبحت مرتعا خصبا للحيوانات العاشبة والمفترسة، وعاش في شمال إفريقيا حيوانات افريقية الأصل في معظمها، إضافة إلى أنواع أخرى من أصل آسيوي أو إفريقي كانت قد هاجرت إليها مثل: الغزال والدب وبعض أنواع الأغنام.
وفي فترات الدفء في مناطق العروض الشمالية والفترات الجافة في مناطق العروض المدارية وشبه المدارية حدث العكس، إذ اتسعت الغابات الصنوبرية والنفضية على حساب المناطق التي غطاها الجليد في مناطق العروض الشمالية، كما قل المطر في مناطق العروض المدارية وشبه المدارية، وقلت مساحات الحشائش وهاجرت حيواناتها نحو الشمال.
2- التغيرات التي حدثت في الغلاف الحيوي في أواخر البلايستوسين والهولوسين:
بسبب توافر البيانات وجهود الباحثين في تحليل بقايا النباتات والحيوانات، أمكن التعرف بدقة على التغيرات في الغلاف الحيوي خلال هذه الفترة التي استغرقت الـعشرين ألف سنة الماضية.
ويمكن تقسيم هذه الفترة إلي مدتين ثانويتين:
الأولى: استغرقت الفترة من 20 ألف – 10 آلاف سنة مضت، وتقابل أواخر البليوستوسين، أو بعبارة أخرى، أثناء تراجع الدور الجليدي الأخير والفترة التي أعقبته.
الثانية: واستغرقت العشرة آلاف سنة الماضية وتقابل الهولوسين.
وقد وضع العالم ايفيرسين Iversen نموذجا عام 1958ربط فيه بين التغيرات المناخية وتوزيع النبات الطبيعي والتربة في شمال غرب أوروبا ، وفى عام 1986 أدخل بيركز Birks تعديلا على نموذج ايفيرسين.
وفي عام 1968م ، وضع نموذج آخر من قبل العالم تيرنر Turnerوالعالم ويست West، ربطا فيه بين التغيرات المناخية التي حدثت في أواخر البليوستوسين والهولوسين في الجزر البريطانية وتوزيع النبات الطبيعي والتربة فيها.
ومن هذين النموذجين ، أمكن التعرف على أربع مراحل للتغيرات في النبات الطبيعي والتربة وعلاقتها بالتغيرات المناخية التي حدثت في أواخر البليوستوسين والهولوسين في نطاق العروض المعتدلة في نصف الكرة الشمالي، وتتلخص هذه المراحل في:
المرحلة الأولى:
أطلق عليها اسم Cryocratic Phase في شمال غرب أوروبا، واسم Preterm prate Zone في الجزر البريطانية، وتقابل هذه المرحلة تراجع الجليد في دوره الأخير(فورم)، وتميزت بمناخ بارد، وكان اغلب النبات الطبيعي يتكون من الأعشاب القطبية القصيرة والنباتات المستنقعية في الأراضي التي تراجع عنها الجليد، وفي جنوب هذه الأراضي سادت حشائش الاستبس وبعض الأشجار، ونمت أشجار البلوط والصنوبر أجزاء محدودة من جنوب إسبانيا. وغطت الغابات المعتدلة الباردة مساحات كبيرة من قارة أمريكا الشمالية خاصة في المرتفعات الغربية.
المرحلة الثانية:
استغرقت نحو خمسة آلاف سنة ( 14000 – 9000 سنة من الوقت الحالي)، أي أنها استمرت جزءا من أواخر البلايستوسين وأوائل الهولوسين ، وتقابل هذه المرحلة فترة الدفء التي أعقبت نهاية الدور الجليدي الأخير ( فورم في أوروبا وويسكونسن في أمريكا الشمالية)، ومع الزيادة الملحوظة في درجات الحرارة، تراجع الجليد لمسافات كبيرة نحو الشمال، فاختفت التندرا، ونمت حشائش غنية وغابات معتدلة معظم قارة اوروبا، وتكونت أيضا تربة غنية نسبيا ارتفعت فيها نسبة المواد العضوية، وبسبب الطول النسبي لهذه المرحلة أمكن أن نميز ثلاث فترات كل منها يتميز بأنواع معينة من النبات الطبيعي:
-------------------------------------------
أطلق عليها في شمال غرب أوروبا Protoeratic Phase وفى الجزر البريطانية اسم Early Temperate Zone
الفترة الأولى: شهدت قمة التحسن المناخي، وزيادة في كميات الأمطار، وانتشرت فيها الغابات المعتدلة وخاصة أشجار التنوب والبتولا في شرق أوروبا والحشائش في جنوبها.
الفترة الثانية: عاد فيها المناخ مرة أخرى إلى التدهور والبرودة، وعادت التندرا لتغطى مساحات كبيرة من الأراضي الأوربية، وسادت الاستبس جنوب أوروبا، في حين كانت الغابات الصنوبرية هي السائدة في شبه جزيرة أيبيريا.
الفترة الثالثة : واستغرقت فترة زمنية قصيرة، حوالي 300 سنة، وتميزت بتحسن مناخي واضح في أوروبا ارتبط به تغير في توزيع الغطاء النباتي، ومن ملامح هذه الفترة تقلص مساحات التندرا ليحل محلها حشائش معتدلة وشجيرات قصيرة خاصة من نوع العرعر والصفصاف والبتولا، وأيضا سيادة الغابات المختلطة في إقليم جنوب أوروبا وخاصة في أيبيريا واليونان
المرحلة الثالثة:
استغرقت نحو أربعة آلاف سنة ( 9000 – 5000 سنة مضت)، وتقابل هذه المرحلة فترة المناخ الأمثل ( الأنسب) حيث زاد المطر وارتفعت درجة الحرارة، واهم ما يميز المرحلة اتساع المساحات التي شغلتها الغابات المعتدلة الباردة، والتربة البنية. ويمكن أن نوجز التباينات في توزيع الغطاء النباتي على النحو التالي:
اتسعت المساحة التي كانت تشغلها الغابات النفضية، وارتبط ذلك بتحسن في خصوبة التربة بسبب زيادة المواد العضوية في معظم أنحاء أوروبا.
--------------------------------
أطلق ايفيرسين على هذه المرحلة اسم Meso eratic Phase ويطلق عليها حسب نموذج الجزر البريطانية Late Temperate Zone
المرحلة الرابعة:
استغرقت الخمسة آلاف سنة الماضية، وأطلق عليها اسم Oligo eratic Phase في شمال غرب أوروبا واسم Post Temperate Zone ، وتميزت هذه المرحلة بقوة نشاط الإنسان في إزالة الغابات، وفى التأثير على التربة.
كما اتسعت المساحات التي شغلتها تربة البودزول على حساب التربة البنية التي نمت فيها الغابات النفضية، وهو ما يعنى أيضا سيادة الغابة الصنوبرية على عكس المرحلة السابقة. وشهدت غرب أوروبا اتساعا في التندرا والغابات الصنوبرية في بداية هذه المرحلة، بسبب ظروف البرودة.
ومع حلول عام 2500 سنة قبل الوقت الحاضر، زادت كمية الأمطار فنشطت عمليات غسيل التربة، واتسعت مساحات الأراضي التي تشغلها تربة البودزل، بالإضافة إلى تعرض التربة لفعل الانجراف بسب زيادة تأثير الإنسان في إزالة الغطاء النباتي، وكانت أمريكا الشمالية اقل تأثرا في هذه المرحلة بسب قلة السكان ومحدودية النشاط الاقتصادي.
7- اثر التغيرات البيئية على الإنسان
لاشك أن التغيرات المناخية التي ميزت البليوستوسين وما ارتبط بها من تغيرات بيئية أخرى، كان لها تأثير واضح على الإنسان سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويتمثل هذا التأثير في:
◙ التطور البيولوجي للإنسان وانقسامه إلى سلالات وانتشار هذه السلالات من مواطنها الأولى إلى مناطق أخرى من العالم.
◙ التطور الحضاري والانتشار الحضاري
◙ إنجازات الإنسان. وسيتم التركيز على الجانبين الأخيرين.
يلاحظ بالنسبة لأثر التغيرات البيئية في التطور الحضاري والانتشار الحضاري انها مرت بأربع مراحل هي:
------------
◘ أقدم صناعات الإنسان كانت صناعة الحصى في شرق وشمال أفريقيا ، وكانت في أراضٍ مكشوفة.
◘ تطورت الصناعة السابقة إلى الفأس اليدوية في العصر الحجري القديم الأسفل وارتبطت ببيئات غابية مكشوفة ، حيث انتشرت إلى أوروبا شمالاً والى جنوب القارة الأفريقية والى الهند شرقاً
◘ صناعة الشظايا وقد اقترنت بالجفاف أولا ثم بالبرودة.
◘ صناعة النصال وأهم أدواته المِدى والمكاشط والمحافر والمثاقب، وتميزت هذه المرحلة بتنوع البيئة الطبيعية وقدرة الإنسان في التغلب على بعض صعوباتها
أما عن تأثير التغيرات البيئية في بعض انجازات الإنسان، فكان أهمها على الإطلاق معرفة الزراعة واستئناس الحيوان.
ولا شك أن التغيرات البيئية وما ارتبط بها من انتشار الإنسان وممارسته حرف مختلفة قد تمت في مراحل تطورية استغرقت آلاف السنين ، كان لها اثر واضح في تطور حجم الإنسان وكثافته، لكن هذا التطور كان بطيئا في مراحله الأولى، وفي الوقت نفسه، أدت الثورات الزراعية والصناعية والحضرية منذ بداية العصر الحجري الحديث وما تلاه إلى تغير كبير في حجم السكان وكثافته ، وقد ارتبطت هذه الزيادة بحياة الاستقرار ومعرفة الزراعة واستئناس الحيوان وبالتالي زيادة الإنتاج والغذاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق