التحول الدیمغرافي وآثاره في التشوه العمراني
دراسة تطبیقیة لحي العالیة الشمالیة (مدینة بسكرة )
مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير في علم اجتماع التنمية
في قسم علم الإجتماع
كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإجتماعية
جامعة منتوري قسنطينة
إعداد الطالبة
ميمونة مناصرية
إشـراف
أ. د . بلقاسم سلاطنية
المقدمة :
المدينة طراز متميز للحياة الإجتماعية الإنسانية ، و هي تشير إلى تمركز سكاني يمتاز بالكثافة العالية ، ويوجد في منطقة جغرافية صغيرة نسبيا ، "وإذا سلمنا مع الفلاسفةأن المنازل تشكل المدينة وأن المواطنين يشكلون الحاضرة(بعقد اجتماعي) ، فإن سلوك البشر هو الذي يظهر خلال تاريخ المدن وتاريخ الحضرعلى السواء ، بتملك أو إعادة تملك فضاءات المدينة ، بالتكيف معها مع اعتمادها ، يصنع الناس المدينة ويرسون قواعد الحاضرة ،وهم في هذا وافون لتخيلاتهم وتمثلاتهم الجماعية "1 .
1 عبد القادر لقجع . تقدیم بمجلة انسانیات . عدد 05 ماي 1998 . مجلد 02 . مركز البحث في الأنثروبولوجیة الإجتماعیة و الثقافیة (CRASC) . وھران .
و قد تناول الباحثون السوسيولوجيون المدينة كظاهرة اجتماعية من خلال جوانب مسائل هي :
1 – دراسة أيكولوجية المدينة ، بمعنى دراسة التوزيع السكاني في علاقته بالمكان، وكذا العمليات المتضمنة في العلاقة المتبادلة بين السكان و المكان .
2 – تنظيم المدينة الذي يتخذ طابعا خاصا كلما اتسعت حجما ، وبالأخص عندما يظهر التمايز الواضح في أجزاء هذا التنظيم ، وأهم ما يلفت النظر في هذا المجال إمكان تقسيم التنظيم الإجتماعي الكبير إلى عدد لاحصر له من التنظيمات الإجتماعية الفرعية .
3 - دراسة سيكولوجية السكان من وجهات نظر عديدة ، خاصة الشعور الطبقي أو الطائفي أو المهني و المظاهر النفسية العديدة التي تصاحب الحياة الحضرية الحديثة في مقارناتها بما كان معروفا من خصائص السكان الذين كانوا يسكنون الوحدات الصغيرة نسبيا ، في المجتمع القروي على سبيل المثال.
وباستعراض الدراسات العديدةالتي أنجزت تبين اختلاط الدراسات الفردية بالمسائل الديمغرافية و الأيكولوجية في المدينة ، و المسائل المتعلقة بسيكولوجية الحياة فيها، وللإجابة على تساؤلات معينة مثل :
ماالذي يجعل المدينة تنمو ؟ و هل تتبع المدن أثناء نموها نمطا معينا ؟ و هل تكرر المدين نفسها في نموها ؟ ما الذي يحدث للنظم المحلية عندما تنمو المدينة ؟ إلى أي حد تكون المدينة عاملا مغيرا للأنماط الإجتماعية ، وإلى أي درجة يمكن أن تكون عاملا في خلقها ؟ .
هذه الأسئلة و غيرها كانت نموذجا لمحاولة الكشف عن مختلف المظاهر التي تصاحب تغير المدن من قبل العديد من التخصصات كعلم الإجتماع و الهندسة المعمارية و علم النفس و ... ، خاصة في ظل الأزمة التي تعيشها المدن بشكل عام ، ومدن العالم الثالث بشكل خاص ، ذلك أن النظر في تاريخ المدن يكشف عن الإختلاف الدائم حول أسباب تعمير المدن و أشكال هذا التعمير ، فبات البحث في شؤون التجمعات العمرانية القائمة أمرا هاما و ضروريا لأسباب : -
- الحاجة إلى التعرف على جذور الأزمة العمرانية و تغيير ما ران على النسيج العمراني من جمود في الإبداع و الإبتكار .
- التطلع إلى تنظيم عمراني متكامل مع البيئة و الثقافة والإمكانات المادية ، ويرتقي إلى تلبية الحاجات الفيزيولوجية كاملة للإنسان .
- الحاجة للنظر بعين الإعتبار لمسألة التجدد في العمارة بإنقاذها من كونها مجرد مأوى ،واغترابها عن قيم المجتمع إلى ملاءمتها لكل المقومات المحلية في ظل زمن جديد و مكان مناسب، ذلك أن العمارة التقليدية استلمت أساليب إنجازها من البيئة و مواد البناء الموجودة في المحيط دون أن تتطلع – في أغلب الأحيان – إلى أساليب حديثة ، بينما العمارة الحديثة لم تراع البيئة و المحيط ، بل زرعت كأشكال هندسية في مجتمع غريب عنها .
- تدارك الفصام بين الدراسات السوسيولوجية التي تنتج الحقائق المتعلقة بالأسرة ورغباتها و تقاليدها و... و الدراسات المعمارية التي تخطط للمأوى بدلا عن المسكن .
و في ظل التأكد من مدى التشوه الذي لحق بالعمارة الجزائرية ، جاءت هذه الدراسة للبحث في إحدى الأسباب المشوهة للعمارة ، وهو التحول الديمغرافي الذي عاشته المدن الجزائرية نتيجة عملية التحضر الواسعة جراء النزوح الريفي الذي صاحبته زيادة طبيعية للسكان ، مما فاقم في حدة أزمة الحواضر بالترييف و التعمير العشوائي.
و يعد هذا البحث إحدى البحوث الامبريقية التي تعني الإحتكام للواقع ، وهي اتجاه ملموس ومعين بالتحديد ، ويتم طبقا لإطار نظري محدد سلفا ، ومرتكزا في بعض مراحله على عمليات عقلية نظرية ، بالإستعانة بالمناهج الكيفية مع الأخذ في الإعتبار الوثائق التاريخية و السجلات 1 الحكومية ، و البحث هنا يهتم بتصوير الوضع الراهن ، وتحديد العلاقات الموجودة بين 2 ظاهرتي السكان و العمران ، مما يمكن من وضع تنبؤات عن الأوضاع المقبلة ، و من هنا فالمنهج الوصفي المعتمد ليس مجرد وصف لما هو ظاهر للعيان بل يتضمن الكثير من التقصي و معرفة الأسباب و المسببات لما هو ظاهر للعيان ، كما أنه يتطلب معرفة الطرق و الإمكانيات التي تساعد في فهم الظاهرة موضوع الدراسة بما يتطلبه البحث3
و لذا فقد تم اعتماد المدخل المنهجي الذي يسمح بلإقتراب الصحيح و الواعي من الظاهرة ويبصر بالأدوات المنهجية الملائمة ، فهو يقدم رؤية شاملة عن الواقع ، وعن كيفيات تناوله بالبحث و الدراسة ، و هويمثل نقطة الوصل بين الجهاز المفاهيمي أي الإطار المرجعي النظري التصوري ، وبين الطرائق المنهجية لتناول الظاهرة، ومعلجتها من حيث الأدوات والتقنيات ، فدوره إذن هو : -
- يساعد على التناسق المنطقي .
- يساعد على تبصر جوانب الظاهرة المدروسة .
- يسمح باختيار الأساليب الملائمة .
- يحقق الإنسجام بين الجانب ( العنصر) التصوري للبحث و الجانب أو (العنصر) التحليلي الإمبريقي ، و أخيرا الجانب ( العنصر) التفسيري .
2 محمد محمود الجوھري و عبد االله الخریجي .طرق البحث الإجتماعي .ط4 . دار الثقافة للنشر و التوزیع . القاھرة . 1983 ص8.
3 عمار بوحوش . مناھج البحث العلمي و طریقة إعداد البحوث . دیوان البحوث الجامعیة . الجزائر . 1995 . ص 74 .
نتائج الدراسة :
بعد عرض أهم المفاهيم المتعلقة بالسكان و المكان أي بالتحول الديمغرافي و العمران ، تبين التأثير الكبير للسكان في حالة الزيادة العددية الكبيرة في المجال ، حيث و تحت التحول الديمغرافي الذي تعرض له حي العالية الشمالية بفعل النزوح الريفي و الوفود من ولايات أخرى و الحركة من الأحياء الأخرى – ليس هناك من يعود أصله إلى هذا الحي بامتلاك وثائق تثبت ذلك و لو وثائق عرفية – نتج فراغ عمراني مشوه يتميز بما يلي :
على المستوى التجمع العمراني : وجود التركز العمراني الكبير في مناطق بعينها بالحي و في مجالات ضيقة مما يصنع مساكن صغيرة المساحة قابلة للتشوه بسبب الزيادة الطبيعية لسكان المسكن ( إما بمد المسكن إلى أعلى و باحتكار المجال الخارجي و الإستيلاء عليه ) .
أدى التحول الديمغرافي في وجود خلفيات معينة ( غياب التخطيط و التسيير و إهمال مخططات التعمير مع التغير الحضري السريع ) إلى احتلال السكان للمجال بشكل فوضوي ووفق تصوراتهم البسيطة ( بساطة وضعياتهم الإجتماعية ) مما أنتج عمرانيا تلقائيا ، يفتقر للتنظيم و تغيب إزاءه كل مقاييس التعمير بحيث تميزت الخصائص العمرانية باختلال في شبكة الطرقات و غاب شكل الطريق الحقيقية ( القارعة ، الحاشية ، الصحن ...) و انعدام التراصف ، وسادت الطرق الحادة و المغلقة و شكلت شبكة جديدة داخل النسيج العمراني .
أدى التحول الديمغرافي إلى خلل في استغلال المجال ، حيث توضح مرفولوجية الحي توزيعا غير عادل في المرافق و الخدمات ، إذ وبالإكتظاظ في النسيج العمراني قل نصيب المرافق الحساسة كالتعليم ، إذ يتوافد على المدرسة الضيقة كم هائل من النتلاميذ تستوعبهم المدارس عن مضض في ظل نصيب للتلميذ لا يتجاوز المترين المربعين ، مع ظروف أخرى ثانوية تقلل من التحصيل العلمي كطريقة ممارسة التربية البدنية مثلا . كما شمل الخلل في استغلال المجال المساحات الخضراء الغائبة تماما في الحي ، - و حتى غابات النخيل التي كانت تمتد على طول الشريط الغربي للحي أزيلت مع الأيام بسبب العمليات البناء و التعمير- و بهذا تتحول المساحات الزراعية التي كانت تدر بسخاء إلى مساحات تكتنفها أكوام من الأسمنت و التراب وبقايا الصفيح في منظر غاية في التشوه ، والتلوث البصري ، فالمساكن المرقعة و غير الملونة و الآيلة للسقوط هي ماصنع هذا التشوه ، ... إلى جانب ذلك يخلو المجال هنا من مساحات اللعب و الترفيه للعائلات والأطفال الذين لا يجدون ملاذا سوى برك المياه بالوادي للإستحمام و اللعب بها و بالقمامة المنتشرة على حافتها . و لايقتصر الأمر على المرافق بل إن الإكتظاظ السكاني في المجال أدى إلى عرقلة التهيئة العمرانية بمختلف وسائل التنظيم العمراني كالكهرباء ،حيث لا توجد أماكن كافية لإنشاء المحولات الكهربائية ، مما اضطر شركة الكهرباء و الغاز إلى إنجازها على حافة التجمع العمراني وهو ما يطرح خسائر أخرى لخزينة الدولة إزاء ترقيع هذا الإشكال .
كما أن هذا التحول الديمغرافي في المجال أدى إلى عجز في الخدمات على مستوى مصلحة النظافة مثلا و التي تعمل بشكل دؤوب دون أن يتجلى ذلك عيانا ، هذا ناهيك عن عجز على مستويات أخرى كالماء و الصرف الصحي و ....
أما على المستوى المعماري فإن التحول الديمغرافي داخل الفراغات العمرانية حتما سيلفظ مشاكله الناجمة خارج المجال المسطر له ، حيث يعمد الناس إلى احتكار المجال الخارجي ، كاحتكار الشارع و المساحات المجانبة للمعمار أو إن كانت هناك مساحات غير مبنية في الجوار ، هذا إلىجانب التحوير الدائم لمخطط المسكن وفق ما تحتاجه الأسرة بتحويل الوظائف و استحداث فراغات أخرى و لو على حساب الضوء و الرطوبة و كل المقاييس كالجمال و الإتساع و .... ، و يشكل هذا التحوير أهم الأسباب المشوهة للعمران حيث يهتم الساكن بمنظر مسكنه من الداخل دون مراعاة للوجه الخارجي للمسكن وإدراك للبيئة العمرانية الخارجية لعدم شعوره بالمسؤولية تجاه البيئة المشيدة خارج مأواه .
كما يؤدي التحول الديمغرافي داخل المسكن إلى درجة تزاحم كبيرة لأعداد أفراد الأسرة ، حيث يقل نصيب الفرد في المسكن مما يؤدي إلى خلل في توزيع الأدوار في المسكن و مما ينعكس سلبا على قيم اجتماعية طالما اعتز بها المجتمع الجزائري و هي تخصيص مكان للجدين في المسكن مع إيواء أفراد آخرين من الأقارب داخل المسكن .
إن هذا الإختلال على مستوى الفراغ العمراني من شأنه إنشاء اختلال على مستوى الفراغ الإجتماعي ، حيث أن التحول بفعل النزوح الريفي خاصة أدى إلى ترييف المجال من خلال السلوكات السكانية التي أبت إلا أن تترسب في الأذهان ، كتربية الحيوانات ليس داخل المسكن فحسب بل في الشارع أيضا ، كما أن تقارب المساكن و تلاحمها مع بعضها البعض هو في الحقيقة تلاحم لأفراد المجتمع ، حيث تتشكل الشخصية الجماعية من خلال الفراغات الإجتماعية كالمسجد و المقهى و المدرسة و تتشكل أيضا من خلال المسافات الضيقة بين المساكن ، حيصياتث و أنت تجوب الحارات القديمة بحي العالية الشمالية كثيرا ما تجد النسوة يتجاذبن أطراف الحديث من خلال تلك المسافة ، و يمهدن بهذه السلوكيات لصناعة مجتمع قرابي من الصعب تفكيك عراه في وقت لاحق ، حتى و إن أرادت البلدية إعادة إسكان هؤلاء في مساكن أخرى أكثر رقيا فإن هذه الترسبات حتما ستطفو إلى السطح مهما تغير المكان أو الموضع .
و بهذه الصورة يكون التحول الديمغرافي في حي العالية الشمالية قد صنع فراغا عمرانيا مشوها و فراغا اجتماعيا مشوها أيضا ، و من ذلك مايراه السكان بأن حيهم غير مشوه و هو يساعدهم على العيش بداخله بسلام .
الاقتراحات و التوصيات
لقد بينت هذه الدراسة مدى عمق الأزمة التي تعيشها المدينة فـي ظـل التحـول الديمغرافي بوجود خلفيات و أسباب مساعدة له ، وتتمثل الأزمة في تشوه العمران ومـا ينجر عن ذلك من مضاعفات على الصعيدين الفراغ العمراني و الفراغ الإجتمـاعي ، و لذا فإن البحث في جذور هذه الأزمة العمرانية أصبح من الأهمية بمكان لإضفاء لمسـات الإبداع و الإبتكار على هذه العمارة ، و تغيير ماران عليها من تخلف وجمود ، كما ينبغي النظر إلى العمارة لا كمأوى بل كمسكن يحفظ الكرامة لصاحبه ، ويضمن لـه الأمـان و الحماية اللازمة و يتماشى مع مستوى الدخل و يروق في عين الناظر ، بل و يرتقي إلى تلبية أقصى الحاجات الفيزيولوجية له ، و لقد باتت الحاجة ملحة إلى التوفيق بين الأصالة و العصرنة في العمارة من خلال استلام خبرات الآخـرين النافعـة دون التنـازل عـن المقومات المحلية التي تحفظ للمرء شخصيته ، مع تدارك الفصام بين مختلف التخصصات التي تتناول المدينة بالدراسة للتوفيق بين الإنسان و المسكن .
إن الحاجة إلى تتبع عمران المدينة أمر هام و ضـروري ، و مشـكل ينبغـي أن يطرح على مختلف الجهات و كافة المستويات ، ففي الجامعة بالدراسة و التتبع و البحث الدائم في جذور الأزمة ، و على المختصين الميدانيين بما فيهم المسـؤولين و المسـيرين بمتابعة مختلف الإجراءات اللازمة لتشخيص الظاهرة ، و على الجهات الأعلى مسؤولية بالإمداد و الدعم المادي ، حيث :
- ينبغي على الجامعة أن تجند كل التخصصات المتعلقة بالسـكان كعلـم الإجتمـاع وعلم النفس و الديمغرافيا و الأنثروبولوجيا لدراسة مكنونات الفرد ونوازعه وميولاته ، مع تتبع حركات السكان الطبيعية و غير الطبيعية ( الهجرة ، النزوح .....) بالدراسـة و التحليل و تفسير السلوكات والأسباب للتنبؤ مستقبلا بما سيحدث و لتفادي ما ينجر عـن هذه الحركات السكانية من آثار على المدينة ، كما ينبغي على التخصصات التـي لهـا صلة بالعمران كالهندسة المعمارية و التهيئة الحضرية أن تأخذ فـي الإعتبـار مقـاييس الإنشاء المعماري المادية و الإجتماعية ، و هذا بالتسيق مع مختلف التخصصـات التـي تهتم بموضوع السكان ، ذلك لأن المعماري يصمم للإنسان لا لغيره .
- كما ينبغي على الجماعات المحلية أن تعطي العناية كاملة لقطاع الإسكان تفاديـا للبناء الذاتي الذي يتم وفق تصورات متعددة و غير متناسقة بل و غير مؤهلـة لتصـميم المعمار أو إنشائه ، و أن تسلم مختلف المشاريع الإسكانية لأصحابها المؤهلين لا أشـباه المعماريين أو المقاولين . كما ينبغي على الجماعات المحلية أيضا أن تتوجه إلى الأرياف بإنشاء مناطق حياة بتزويدها بالخدمات الضرورية ، و الدعم الفلاحي ، وتوفير وسائط مواصـلات دائمـة تفاديا لحدوث النزوح الريفي و تضخم المدن جراء التحول الديمغرافي .
- القيام بحملات تحسيسية و تسليط عقوبات رادعة على كل المخالفين لقواعد البنـاء سواء كانوا أشخاصا عاديين أو جهات مسؤولة .
- السعي للحفاظ على البيئة بشتى طرق التهيئة العمرانيـة مـع إزالـة أو تـرميم التجمعات العمرانية المشوهة بالتدريج .
- إنشاء سكنات لحديثي الزواج تفاديا لتحوير المجال المسكون الخاص بالأبوين و استحداث التشوه .
- إنشاء المساكن يجب أن يتم وفقا لمقومات المجتمع الجزائري ذي الأسرة الممتدة و النسق القرابي الطاغي على كل العلاقات الأخرى ، و التقاليـد الحميميـة التـي تحتـاج لفراغات عمرانية خاصة داخل الفضاء المسكون .
- توسيع دائرة الإبداع و الإبتكار أمام المعماريين و المصممين و أخذها في الإعتبار ، وكذا اللجوء إلى الدراسات السكانية و الإجتماعية قبل التخطيط للمشاريع .
- استحداث برامج تتعلق بالحد من ظهور ظاهرة التحول الديمغرافي فـي الوسـط الحضري ، دون الإخلال بمنظومة الإنجاب و التناسل مع التهيـؤ الـدائم و الإسـتعداد لمجابهة الظاهرة إن حلت .
و الواقع أن هذه الأفكار وردت خلال تحليل ظاهرة التحول الديمغرافي ، ومـدى تأثيره على العمران ، حيث طرحت الأسئلة وقتئذ : أين غابت السـلطات إزاء حـدوث ظاهرة التحول ؟ كيف نشأ التنظيم العمراني مشوها في غياب السلطة ؟ لمـاذا أهملـت المخططات العمرانية التي شملت المجال المدروس ؟ أين غابت فرق البحث في شـؤون السكان التي تتبع حركتهم بالبحث و الدراسة و التحليل و التنبيـه بخطـورة الموقـف ؟ ...بينما السؤال الذي ظل عالقا : هل سيبقى حي العالية الشمالية واجهة مشوهة لمدينـة بسكرة يطل عليها كل قادم للمدينة ؟ و هل سيبقى الحي جيبـا قرويـا داخـل النسـيج العمراني لمدينة بسكرة ؟.
الخاتمة
إذا كانت المدينة هي مرآة المستوى الحضاري للأمم و بمعالمها تعـرف البلـدان والأمصار ، حيث منها ما يعرف ببرج إيفل و منها مايعرف بتمثال الحرية و منهـا مـا يعرف بالساحة الحمراء ، و منها مايعرف بمختلف الكاتدرائيات و المتاحف و المسارح و الجامعات الشامخة و المكتبات العالمية و ناطحات السحاب ، ....فـإن العـالم العربـي اختفت من مجاله العمراني حدائق بابل وقصور بني العباس و قلعة بني حماد ، و أكثـر من ذلك أزيلت الغابات الشاسعة المتشابكة التي يحكي المؤرخون بشأن ظلالهـا الوارفـة التي تمتد من أقصى الزاب الشرقي إلى المحيط الأطلسي دون انقطاع .... ، لتضحى مدن العالم العربي دون وجه يشفع لها أمام التاريخ ، سوى ذلك الوجه المليئ بالتناقضات بـين ثقافة المستعمر من جهة و ثقافة الذات المحلية من جهة ثانية ، لكن أكثر الثقافات سـيطرة هي ثقافة الفقر التي ضربت أطنابها في أعماق المجتمع ، فكل ما هو باد يدل على الفقـر أكثر من أي شيئ آخر .
لقد تملك مدن العالم العربي – و الجزائر مثال على ذلك - مـا يشـبه الإرتبـاك الحضاري ، حيث تتقدم خطوة و تتخلف خطوات ، فالبيئة المشيدة تأخذ من الغرب الطرز المعمارية الغربية ثم لاتتعامل مع هذه الطرز كالغربيين ، فالأفراد يبنون العمـارات ثـم يحورونها ليستعيدوا الجوالحميمي داخل الأسرة باستحداث مختلـف الفراغـات لمختلـف الوظائف ، كإنشاء السقيفة مثلا ، و يسكنون مساكن أعدت خصيصـا لأسـر لا يتعـدى أفرادها الثلاثة ليسكن بها الأضعاف المضاعفة من الأفراد ، ليلفضوا بذلك أعباء الإكتظاظ الداخلي إلى خارج المسكن الذي لم يعد مسكنا بل مجرد مأوى، و لتفقد البيئة الخارجيـة حول ذلك المأوى كل مسؤول عنها و كل مدرك لمدى خطورة تدهورها .
و في هذا السياق فقد عالجت هذه الدراسة جانبا من الجوانب البادية فـي عمـران المدن الجزائرية ، و التي سحبت منها الوجه المشرف و الراقي الذي تعتز به الأمم ، ألا و هو التشوه العمراني ، و ركزت الدراسة على أهم مسببات - في نظر الباحثة هو الأهم – هذا التشوه العمراني و هو التحول الديمغرافي الحادث في داخل المـدن ، والواقـع أن السكان قد لا يشكلون تشوها عمرانيا و إنما إذا زاد حجمهم عن المعتاد أو عمـا بإمكـان المدن استيعابه في ظل بطء أو غفلة من المسير أو ثغرة من القانون ، تتشوه المدن حتما .
يتشكل التحول الديمغرافي بشكلين الأول بالزيادة الطبيعية و الثاني عـن طريـق الهجرة و النزوح من الأرياف ، و الأرجح أنه يأتي من النـزوح الريفـي ، و مجتمـع الدراسة الذي تمت دراسته تمثل في حي العالية الشمالية الذي تعرض لموجة غزو قويـة من الوافدين من الأرياف المتاخمة لمدينة بسكرة ، وكذا من البدو الرحل الـذين حطـوا رحالهم و إلى الأبد في المكان ، و كان تموضعهم عشوائيا فلا تعرف لمساكنهم وجهة أبدا – ككل المساكن الريفية – و بمرور الزمن اكتظ المجال بالعمران و بدا التشوه في الخطة العمرانية على مستوى الشوارع و الطرق ، وكثرت الطرق التجميعية و الطرق الحادة و الطرق التي لا تدخلها السيارات و الجرافات أبدا مما صعب من عملية التهيئة العمرانية ، ففقدت بعض أجزاء التجمعات العمرانية أدوات التنظيم العمراني ، كما برز التشـوه فـي جهة الخدمات حيث اكتظت المدارس بالتلاميذ ، و لم يسمح النسـيج العمرانـي بإضـافة مدارس أخرى بإمكانها الاستيعاب أكثر، كما برز التشوه العمراني على مستوى الوحدات المعمارية البسيطة كالمنازل التي ضاقت بساكنيها الكثر فعمدت إلـى احتكـار المجـال الخارجي ، أو امتدت إلى الأعلى فنشأ بذلك عدم توازن بين مسكن و مجاوره ، كمـا أن تنوع مواد بناء المساكن في الحي بتنوع المهن والثقافة و المستوى الدخل أدى أيضا إلـى هذا التشوه ، .....
إن هذا التشوه على المستوى العمراني قد أنتج فراغا اجتماعيا مميزا متمـثلا فـي اللامبالاة تجاه البيئة العمرانية ، حيث ساد الحي ثقافة الريف المتمسكة بتربية الحيوانـات داخل المجال الحضري ، وانتهاج سلوكيات أخرى أبت إلا أن تترسب في الأذهان .
إن إدراك التشوه العمراني الحاصل في المدن أمر في غاية الأهمية ، وإن تشخيص الأزمة و الوقوف على مكمن الداء و معالجته بات من أولى الأولويات المطروحة علـى الدراسات الحضرية في علم الإجتماع و الهندسة المعمارية و التهيئة الحضـرية و علـم النفس و غيرها من التخصصات التي من شأنها التأصيل لمدن راقية تسـر النـاظر ، و تؤدي الخدمة وتبدي للأمة مستوى حضاري ترقى من خلاله إلى مصاف الأمم الراقية.
قائمة المراجع :
المراجع باللغة العربیة
1- أحمد بوذراع . التطوير الحضري و المناطق الحضرية المتخلفة بالمدن( دراسة نظرية في علم الإجتماع الحضري ) .منشورات جامعة باتنة.
2- إحسان محمد الحسن . التصنيع و تغيير المجتمع . دار الشؤون الثقافية العامة .وزارة الثقافة والإعلام ط2 . بغداد .1986.
3- اسماعيل قباري محمد. علم الإجتماع الحضري و مشكلات التهجير و التغيير و التنمية. منشأة المعارف . الإسكندرية . ب ت .
4- السيد الحسيني. المدينة: دراسة في علم الإجتماع الحضري. ط3 دار المعرف .1985 .
5- الصادق مزهود. أزمة السكن في ضوء المجال الحضري(دراسة تطبيقية على مدينة قسنطينة ) دار النور الهادف .الجزائر . 1995.
6- جون كلارك.جغرافية السكان. ترجمة محمد شوقي ابراهيم مكي. دار المريخ.الرياض.1984.
7- حسن الساعاتي . التصتيع و العمران. دار النهضة العربية .بيروت . 1980 .
8- حسين عبد الحميد رشوان . مشكلة المدينة (دراسة في علم الإجتماع الحضري) .1997.
9- حسين عبد الحميد رشوان . المدينة(دراسة في علم الإجتماع الحضري ) المكتب الجامعي الحديث . الإسكندرية .ب ت .
10- حميد خروف وبلقاسم سلاطنية اسماعيل قيرة .الإشكالات النظرية و الواقع (مجتمع المدينة نموذجا). منشورات جامعة منتوري. قسنطينة .1999 .
11- زكي مصطفى عليان و عثمان محمد غنيم .مناهج و أساليب البحث العلمي النظرية و التطبيق .دار الصفاء للنشر و التوزيع.عمان.2000.
12- زيدان عبد الباقي.قواعد البحث الإجتماعي.ط2.مطبعة السعادة.القاهرة 1974.
13- السعيد مريبعي .التغيرات السكانية في الجزائر .المؤسسة الوطنية للكتاب .الجزائر.1984.
14- شريف رحماني . الجزائر غدا. وزارة التجهيز و التهيئة العمرانية .
15- عبد الإله أبو عياش و إسحاق القطب. الإتجاهات المعاصرة في الدراسات الحضرية. جامعة الكويت. 1979 .
16- عبد الباسط عبد المعطي و آخرون .السكان و المجتمع .
17- عبد الحميد لطفي . علم الإجتماع . دار النهضة العربية . بيروت . ب ت.
18- عبد الرحمان بن خلدون. المقدمة . الباب الرابع.
19- عبد المنعم شوقي .مجتمع المدينة: الإجتماع الحضري. ط7.دار النهضةالعربية.بيروت .1981.
20- عبد المنعم عبد الحي.علم السكان (الأسس النظرية والأبعاد الإجتماعية).المكتب الجامعي الحديث.القاهرة.1985 .
21- عز الدين جوني. الإحصاء الإقتصادي.ديوان المطبوعات الجامعية.الجزائر.1983 .
22- علي عبد الرزاق جلبي.علم اجتماع السكان .ط2.دار المعرفة الجامعية.مصر1998 .
23- عمار بوحوش. مناهج البحث العلمي وطريقة إعداد البحوث. ديوان البحوث الجامعية.1995 .
24- فتحي أبو عيانة.جغرافية العمران. دراسة تحليلية للقرية و المدينة . دار المعرف .مصر. 1995 .
25- فضيل دليو وعلي غربي وآخرون. أسس المنهجية في العلوم الإجتماعية . منشورات جامعة منتوري.قسنطينة . 1999.
26- لويس هانري .الديمغرافيا تحليل و نماذج .تعريب جيلالي صياري.ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر .1984 .
27- محمد السويدي .محاضرات في الثقافة و المجتمع .ديوان المطبوعات الجامعية.الجزائر.1985.
28- محمد السويدي . مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري( تحليل سوسيولوجي لأهم مظاهر التغيير في المجتمع الجزائري المعاصر) ديوان المطوعات الجامعية. الجزائر .
29- محمد السيد غلاب. البيئة و المجتمع .ط7 . بدون دار نشر. 1997.
30- محمد الهادي العروق . مدينة قسنطينة :دراسة في جغرافية العمران .ديوان المطبوعات الجامعية.الجزائر.1984.
31- محمد بومخلوف .التحضر .
32- محمد زهري حبوس. الطرق و المطارات . المطبعة الجديدة .دمشق .1978.
33- محمد شبلي .المنهجية في التحليل السياسي.الجزائر.1997 .
34- محمد عبد الستار عثمان. المدينة الإسلامية. سلسلة عالم المعرفة. الكويت. أوت .1988.
35- محمد عاطف غيث. علم الإجتماع الحضري: مدخل نظري.دار النهضة العربية للطباعة.بيروت .1983.
36- محمد محمود الجوهري و علياء شكري.علم الإجتماع الريفي و الحضري .دار التضامن للطباعة .
37- محمد محمود الجوهري و عبد االله الخريجي.طرق البحث الإجتماعي.ط4.دار الثقافة للنشر و التوزيع.القاهرة.1983.
38- محمود عبد اللطيف عصفور و السعيد ابراهيم بدوي. الدراسة الميدانية في جغرافية العمران. دار التكنوبرنت للطباعة. القاهرة .1983 .
39- مصطفى الأشرف. الجزائر الأمة و المجتمع . ترجمة حنفي بن عيسى. المؤسسة الوطنية للكتاب .الجزائر.1983 . 40- موريس هالبواك . المورفولوجيا الإجتماعية. منشورات عويدات . بيروت ، باريس . . 1986.
41- نورس الدقر و رئييف مهنا و غانم هنا . علم الإجتماع العمراني . مطبعة جامعة دمشق.سورية .1988 .
42- نيكولا تيماشيف . نظرية علم الإجتماع : طبيعتها و تطورها .ترجمة محمود الجوهري و آخرون . القاهرة .دار المعارف .ط1983. 8 .
الرسائل و المذكرات
1 – بلقاسم الذيب.المجال العمراني و السلوك الإجتماعي( دراسة ميدانية مقارنة .حالة بسكرة رسالة ماجستير في العمران .جامعة قسنطينة .1995 .
2 – بلقاسم الذيب . أثر الخلل الإجتماعي على المجال العمراني.رسالة دكتوراه في الهندسة المعمارية . قسنطينة .2001 .
3 – خديجة عجابي . التصنيع و النمو الحضري في الجزائر مع دراسة ميدانية على عينة من ثلاثة أحياء قصديرية بعنابة . رسالة ماجستير 1998 . جامعة الجزائر.
4 – عبد الغني غانم .تحليل مدى التوازن بين السكان و السكن في مدينة بسكرة..أطروحة مقدمة لنيل الماجستير في التهيئة الحضرية. قسنطينة . 1984 .
5 – فطيمة دريد . النمو الديمغرافي و سياسة تنظيم النسل في الجزائر (دراسة ميدانية لولاية باتنة).رسالة ماجستير في علم اجتماع التنمية . قسنطينة .
6 – محمد بومخلوف .التوطين الصناعي و آثاره العمرانية . أطروحة مقدمة لنيل شهادة الكتوراه في علم الإجتماع . الجزائر.1995 .
7 – نادية رابية.المسكن و العائلة بعد زواج الأبناء . رسالة ماجستير . 1991 .
القواميس
1 – محمد عاطف غيث . قاموس علم الإجتماع .دار المعرفة الجامعية . الإسكندرية . 1989 .
2 – المنجد في اللغة و الأعلام . دار المشرق . بيروت . الطبعة 26 .
الوثائق و المحاضرات
1 – مجلة إنسانيات . العدد 05 ماي 1998 .مركز البحث في الأنثروبولوجية الإجتماعية و الثقافية ( CRASC ) . وهران .
2 – مجلة إنسانيات . العدد 06 سبتمبر 1998 . مركز البحث في الأنثروبولوجية الإجتماعية والثقافية( CRASC) . وهران .
3 – مجلة العلوم الإنسانية . العدد 13 جوان 2000 . جامعة منتوري .قسنطينة .
4 - جاسم الدباغ، العمارة وتخطیط المدن في المناطق الحارة، محاضرة ألقیت في الملتقى الوطني" المدینة الجزائریة المعاصرة التحدیات و الآفاق " جامعة قسنطینة .ماي .2001.
5 – وثائق خاصة بالشركة الوطنیة للكھرباء و الغاز .
6 – وثائق خاصة ببلدیة بسكرة . مصلحة الإحصاء .
7 – وثائق خاصة بالوكالة الوطنیة للتھیئة و التعمیر ANAT .
8 - حزب جبھة التحریر الوطني . النمو الدیمغرافي في الجزائر . نشر و توزیع قطاع الإعلام و التنشیط .
المراجع باللغة الفرنسية
1 – Chombart de Lauwe .Famille et habitation . G.N.R.S .Paris .1967 .tome1.
2 – Cherif Rahmani . La croissance urbaine en Algérie. OPU. Alger .1982.
3 – Félix Hautfort .Au pays des palmiers Biskra .Paul Ollendoref .Paris . 1897.
4 – Yves Grafmeyer .Sociologie urbaine. Editions. Nathan .Paris .1994 .
أو
أو

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق